كلمة وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج و الشؤون الإفريقية، السيّد أحمد عطاف، خلال القمة الإفريقية-الأوروبية حول موضوع السلم والأمن والحوكمة في القارة الإفريقية

شكراً السيد الرئيس، وشكراً لكم خاصةً على سخاء ضيافتكم وعلى تنظيمكم المحكم لهذه القمة الإفريقية-الأوروبية. تلتئم قمتنا اليوم في سياق دولي بالغ التعقيد والاضطراب والتأزم، وهو السياق الذي لم تَسْلَمْ قارتُنا من تداعياتِه ومخلفاتِه. مسارٌ يدعو فعلاً لدق ناقوس الخطر:
دق ناقوس الخطر أولاً بشأن عودة ظاهرة التغييرات غير الدستورية للحكومات إلى الواجهة في إفريقيا، وهي التغييرات التي لم تعد تمثل مجرد ارتداداتٍ ظرفية لمعطياتٍ عابرة أو عَرَضِية، بقدر ما أضحت واقعاً يتمدد وَيَتَجَذَّرُ في ظل انسداد آفاق العودة إلى النظم الدستورية المنشودة.
ودق ناقوس الخطر ثانياً بسبب تفاقم آفة الإرهاب في إفريقيا بعد انحسارها من بقية أرجاء العالم، حتى صارت منطقة الساحل الصحراوي اليوم تمثل البؤرة العالمية أو المرتكز الدولي لهذه الآفة التي عاثت فساداً وَجُرْماً في الدول والشعوب الإفريقية، وسط صمت دولي يصعب فهمه وتفسيره.
ودق ناقوس الخطر ثالثاً نتيجة تفشي ظاهرة التدخلات العسكرية الأجنبية في إفريقيا، وهي الظاهرة التي أصبحت اليوم عاملاً هيكلياً في المشهد الأمني الإفريقي، عاملٌ يعقد الأزمات ويطيل من عمرها وَيَقْضِي على فرص تسويتها بالطرق السلمية.
ودق ناقوس الخطر رابعاً وأخيراً أمام انكفاء الدور الدبلوماسي القاري وتلاشي الاهتمام الدولي بالأولويات الأمنية والسياسية الإفريقية التي لم تعد تحظى بالأهمية المطلوبة على أجندة العمل الدولي متعدد الأطراف.
أمام وضعٍ كهذا، فإن الجزائر تدعو إلى إعادة ترتيب أولويات الشراكة الإفريقية-الأوروبية في مجال السلم والأمن:
فالأولوية الأولى يجب أن تتوجه نحو وضع حدٍّ لحالة الفتور الدولي التي تُكابدُها قضايا السلم والأمن في إفريقيا، لأن التحديات التي تواجهها قارتنا ليست صعوبات محلية الطبع أو محدودة النطاق، بقدر ما هي أخطارٌ عابرة للحدود والأوطان والقارات، سواءٌ بذاتِها أو بتداعياتِها.
والأولوية الثانية ينبغي أن تُكرَّس لإعادة الاعتبار للدور الدبلوماسي الإفريقي ولإعلاء مبدأ الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية، لأن منظمتَنا القارية قد سَبِقَ لها وأن أثبتت قدرتَها على الاضطلاع بالدورِ المنوط بها كُلَّمَا أُتيحت لها المساحة اللازمة للتحرك، وكُلَّمَا حظيت بالدعم الدولي المطلوب.
والأولوية الثالثة يجدر أن تعود للإستثمار الفعلي والفعال في التنمية كأفضل سبيل للوقاية من الأزمات والتكفل بأسبابها الجذرية وأبعادها التنموية. ونحن نتطلع في هذا الإطار إلى تجسيد الوعود الاستثمارية التي التزمت بها أوروبا تجاه إفريقيا في إطار مبادرة "البوابة العالمية".
أما الأولوية الرابعة والأخيرة، فهي أولويةٌ هيكلية بامتياز وتتعلق بحتمية إنهاء تهميش إفريقيا في كافة مَوَاطِنِ صُنْعِ القرار الدولي، السياسي والأمني والاقتصادي، لأن هذا التهميش يظل في حد ذاته أحد أبرز العوامل البنيوية التي تقوض مسيرة إفريقيا نحو تجسيد تطلعاتها وأهدافها المكرسة في الأجندة القارية 2063.
وشكراً السيد الرئيس .
