كلمة وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، السيّد أحمد عطاف، خلال إشرافه بمقر الوزارة على فعاليات الاحتفال بإحياء يوم إفريقيا

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبيه الصادق الأمين
السيد رئيس برلمان عموم إفريقيا،
السيد الكاتب الخاص، والسادة مستشارو السيد رئيس الجمهورية،
معالي السيّد وزير الري،
السيدة والسيد كاتبي الدولة، والسيد الأمين العام بوزارة الشؤون الخارجية،
السيدات والسادة رؤساء مختلف الهيئات والمؤسسات الوطنية،
سعادة السفير Alintuma Nsambu، سفير جمهورية أوغندا وعميد السلك الدبلوماسي الإفريقي المعتمد لدى الجزائر،
أصحاب السعادة السفراء،
الحضور الكريم،
أهلاً بكم بمقر وزارة الشؤون الخارجية، وشكراً لكم حِرْصُكُم على تلبيةِ دعوتِنا للمشاركة في إحياء هذه الذكرى المجيدة، هذه الذكرى المضيئة في تاريخ قارتنا، وهذه الذكرى الغالية على قلب كل إفريقي وإفريقية، ألا وهي ذكرى يوم إفريقيا، أو بالأحرى ذكرى يوم الوحدة الإفريقية.
ففي مثل هذا اليوم، ومنذ ثلاثةٍ وستين عاماً خلت، وُضِعَتْ أُسسُ وأركانُ المشروع السياسي، والمشروع الاستراتيجي، بل المشروع الحضاري الذي وَحَّدَ ولا يزال يُوحد الدول والشعوب الإفريقية من شمال قارتنا إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها:
إنه مشروعُ التحرير، تحريرُ الدول الإفريقية من هيمنة الاستعمار وتكريسُ سيادةِ الشعوب الإفريقية على أوطانِها وعلى مقدراتِها وعلى ثرواتِها.
وإنه مشروعُ البناءِ والتوحيد، بناءُ الدول الوطنية الإفريقية العصرية بمؤسساتِها وبقدراتها الاقتصادية وبمقوماتها البشرية، وتوحيدُ جُهودِها لمعالجة مُخَلَّفَاتِ الاستعمار وَتَرِكَتِهِ من سياسات التقسيم والتهميش والحرمان والإقصاء.
وإنه مشروعُ إعادة الاعتبار، إعادةُ الاعتبار لمكانةِ ودورِ القارة الإفريقية في محفل الأمم، كشريكٍ لا كتابع، وكمُبادرٍ لا كمُتَلَقِّي، وكفاعلٍ مسؤول على الساحة الدولية، له ما لغيره من حقوق، وعليه ما على غيره من واجبات.
وعلى هذا الأساس، فإن الاحتفاء بيوم إفريقيا لا يقتصر على استذكار فَضْلِ من ساهم في تأسيسِ وإنارةِ دربِ الوحدة الإفريقية، بل يتعدى هذا البُعد بكثير، لِيَشْمُلَ تقييمَ ما تم تحقيقُه من إنجازات ومكتسبات، واستشرافَ ما يَلُوحُ في الأُفُقَيْنِ القريب والبعيد من فرصٍ وتحدياتٍ ورهانات. وبالتالي:
فنحن نقفُ اليوم وقفةَ إجلال وإكبار للآباء المؤسسين لِتَكَتُّلِنَا القاري ولإرثهم الثمين الذي لا يزال يشكل البُنْيَانَ المرصوص لمنظمتنا الإفريقية،
ونحن نقفُ اليوم وقفةَ اعتزاز بالأشواط النوعية التي قطعناها معاً من أجل تعزيزِ التوافق السياسي بين دولنا، وتحقيقِ التكامل الاقتصادي بينها، وكذا توطيدِ التقارب والتفاهم والتضامن بين شعوب قارتنا.
ونحن نقفُ اليوم وقفةَ استشراف، وقفةُ استشرافٍ نُدْرِكُ فيها، تمام الإدراك، حجم التحديات التي تُواجه قارتَنَا في ظل علاقاتٍ دولية قَلَّ احتكامُها للقوانين والقواعد المُتفَقِ والمُتَعَاَرَفِ عليها. ووقفةُ استشرافٍ نعي فيها، تمام الوعي، حجمَ الفُرَصِ والإمكانياتِ التي تزخر بها إفريقيا، بما يؤهلها لأن تكون بحق قَارَةَ المستقبل الواعد.
وبالفعل، ومثلما سبق وأن أكد على ذلك رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، فإن الجزائر تؤمن قولاً وفعلاً، بأن إفريقيا هي قارة المستقبل الواعد:
قارةُ المستقبل الواعد بشبابها الذين يمثلون أكثرَ من نصف سكانها ويجعلون منها قارةً شابة بامتياز.
وقارةُ المستقبل الواعد بمواردها الطبيعية الهائلة، وهي التي تمتلك أكبرَ الاحتياطات العالمية من هذه الموارد الضرورية للثَّوراتِ الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية الراهنة، بما فيها على وجه الخصوص الموارد النادرة أو الحرجة.
وقارةُ المستقبل الواعد بنموها الاقتصادي المتسارع، وهي التي تضم حالياً أسرعَ الاقتصاداتِ نُمواً في العالم.
وقارةُ المستقبل الواعد باعتمادِها نهجَ التكامل الاقتصادي وتوحيدِ أسواقها في منطقة التجارة الحرة القارية بحجمٍ يفوق المليار وأربع مائة مليون مستهلك.
إن هذه القناعة الراسخة لدى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، قد شكلت المُنطلق والأساس لنهج التجديد الذي تبناه، نهجُ تجديد السياسة الإفريقية لبلادنا. وهو النهج الذي تتجلى ملامِحُهُ في الحركية التي أضفاها السيد رئيس الجمهورية على الدبلوماسية الجزائرية في شقها المرتبط بفضاء انتمائنا الإفريقي، سواء على الصعيد الثنائي، أو على الصعيد الجهوي، أو على الصعيد القاري متعدد الأطراف.
فعلى الصعيد الثنائي، شَهِدَتْ علاقات الجزائر مع أشقائها الأفارقة نشاطاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، عبر تكثيفِ الزيارات الرسمية على مختلف المستويات، وتفعيلِ آليات التعاون البينية، وكذا إعطاءِ دفعٍ أكبر لبرامجِ التعاون والشراكة في مختلف المجالات. وإذا ما أردنا الاستدلالَ بلغة الأرقام، والاستنارةَ بها، فثلاثٌ منها تَفرِضُ نفسها في هذا المضمار:
الرقم الأول، وهو يخص الشبكة الدبلوماسية لبلادنا، حيث انتقل عدد السفارات الجزائرية المعتمدة لدى دول قارتنا من 29 إلى 38 سفارة، وذلك بعد افتتاح 9 سفارات جديدة في السنوات الأخيرة فقط. وخلال ذات الفترة، افتتحت أربعُ دول إفريقية سَفاراتٍ لها بالجزائر، في حين أن أربعَ دول أخرى تتأهب لاستكمال الإجراءات اللازمة للقيام بذات الخُطوة.
الرقم الثاني، وهو يخص شبكةَ الرَّبْطِ الجوي، حيث انتقلَ عدد الوِجهات التي تُغطيها شركة الخطوط الجوية الجزائرية في قارتنا الإفريقية من بِضْعِ وِجهاتٍ تُعَدُّ على أصابعِ اليد الواحدة إلى إِثْنَيْ عَشَرَ وجهةً حالياً، وهو الرقم المُرشحُ للارتفاع ليصل إلى عشرينَ وجهةً في المستقبل القريب والقريب جداً.
أما الرقم الثالث والأخير، فيخص تثمين الموارد البشرية، حيث رفعت الجزائر مُساهمتَها السنوية في تكوين شباب قارتنا من 5000 إلى 8000 مِنحة سنوياً، وهي المِنح التي تشمل جميع تخصصات التعليم العالي، والتكوين المهني، وكذا التدريب التقني.
وعلى الصعيد الجهوي، أَسَوَاءٌ تعلق الأمر بفضاء الساحل الصحراوي أو بالمنطقة المغاربية، فإن الجزائر تبقى حريصةً كل الحرص على أن تكون مساهماً فاعلاً، ومساهماً مُخلصاً، ومساهماً نزيهاً، في كل الجهود التي تصب في صميم أمن واستقرار محيطها. كما تبقى الجزائر رافداً من روافد التنمية والرخاء والازدهار في هذا الفضاء الإقليمي.
وذات الأمر ينطبق على انخراط الجزائر في الجهود القارية متعددة الأطراف، حيث عززت حضورَها ومساهمتَها في العمل الإفريقي المشترك على المستويين المؤسساتي والاقتصادي في ذات الحين.
فعلى المستوى المؤسساتي، استكمل مؤخراً السيّد رئيس الجمهورية ولايتَهُ على رأس منتدى رؤساء دول وحكومات "آلية التقييم من قِبَلِ النظراء"، في حين أنه يواصل الاضطلاع بدوره منسقاً للجهود القارية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف. وفي ذات السياق، حَرِصَت الجزائر على الإسهام الفاعل في تسيير أجهزة الاتحاد الإفريقي، من خلال ترشيح كفاءات وطنية لتولي مناصب قيادية داخل مؤسسات منظمتنا القارية. والجزائر تعتز اليوم أيما اعتزاز بالثقة الغالية التي نالتها من لدن أشقائها الأفارقة خلال الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، وهي الاستحقاقات التي مكّنت مرشحيها من تبوء مناصب قيادية في كل من مفوضية الاتحاد الإفريقي وبرلمان عموم إفريقيا.
كما تعتز الجزائر بعضويتِها في كل الهيئات والأجهزة -كل الهيئات والأجهزة- المُنتخَبَة التابعة للاتحاد الإفريقي.
أما فيما يخص المستوى الاقتصادي، فالجزائر قد انخرطت، عن قناعةٍ، وبجديةٍ صارمة، في الجهود الرامية لتحقيق التكامل الاقتصادي القاري، تجارةً واستثماراً. ولا أدلَ ولا أبلغَ على هذا الالتزام من الخطوات العملية والفعلية التي تم اتخاذها مؤخراً، والتي تندرج ضِمْنَ ثَلاثِ توجهات رئيسية:
التوجه الأول، وهو التوجه نحو إضفاءِ حركية جديدة على جهود تجسيد المشاريع الهيكلية الرامية لتعزيز الاندماج الإقليمي، وفي مقدمتها مشروعُ الطريق العابر للصحراء وما يرتبط به من وصلةٍ محوريةٍ للألياف البصرية، ومشروعُ أنبوب الغاز العابر للصحراء، فضلا عن دراسة تمديد شبكة السكك الحديدية الجزائرية نحو دول الساحل.
كما قدمت الجزائر حلولا عملية لفك العزلة عن أشقائها في الساحل الإفريقي، عبر تمكينهم من الاستفادة من البنى التحتية الجزائرية، وبالخصوص موانئها المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
التوجه الثاني، وهو التوجه نحو المساهمةِ الفعلية في رفع حجم المبادلات التجارية بين الدول الإفريقية، وهي المساهمة التي تأكدت بجلاء خلال استضافة الجزائر للطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية. وهي الطَّبعة التي تَرْجَمَ فيها المتعاملون الاقتصاديون الجزائريون هذه المساهمة إلى عقود فعلية مع نظرائهم الأفارقة، بقيمةٍ إجمالية قدرها 23 مليار دولار أمريكي.
أما التوجه الثالث والأخير، فهو التوجه نحو المساهمةِ في تطوير القطاعات الحيوية في إفريقيا، وفي مقدمتها قطاع الطاقة، وذلك عبر تقاسم التجارب والخِبرات التي اكتسبتها الجزائر في مجال تثمين المقدرات الطاقوية، وتمكين أشقائها من الاستفادة من معاهد ومراكز التكوين الجزائرية المتخصصة في هذا المجال، وكذا عبر التموقع كشريك موثوق في مجال تشييد وبناء محطات توليد الكهرَباء لفائدة الدول الإفريقية الشقيقة.
إن استعراضي لمختلف مناحي وملامح عملية التجديد التي تشهدها سياسة الجزائر تجاه فضاء انتمائها الإفريقي يندرج أساساً، وبكل صدق، وبكل التزام، وبكل إيمان، في سياق التأكيد على قناعةٍ مترسخة لدى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون. قناعةٌ مفادها أن الوقت قد حان:
الوقتُ قد حان لأن تُدرك إفريقيا بأن مصيرَها بأيديها، لا بأيدي العون التي تمتد إليها، رَأْفَةً أو شفقةً أو مِنَّة.
والوقتُ قد حان لأن تتيقن إفريقيا بأن مقوماتِ نهضتِها الاقتصادية في قدراتها الذاتية، لا في التعويل المفرط على الغير.
والوقتُ قد حان لأن تتأكد إفريقيا بأن بناءَ المستقبل الذي تَتَطَلَعُ إليه لن يتحقق إلا عبر تظافر جهود أبنائها، وتعبئة موارِدها الذاتية، وكذا توحيد طاقاتِها الكامِنَةِ في أعماقِها.
وعلى نحوٍ أعم، وعلى نحوٍ أشمل، فإن التحديات المرتبطة بالسلم والأمن في قارتنا الإفريقية ليست قَدَراً محتوماً أو قضاءً لا مَرَدَّ له، بقدر ما هي معضلاتٌ قابلة للحل، إذا ما توفرت الإرادة السياسة الصادقة، وإذا ما تضافرت جهود جميع الأطراف الدولية والإقليمية لتفعيل نهج الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية.
ولنا في المنظومة الإفريقية من المبادئ ومن المراجع ومن القيم، ما يُمَكِّنُ قارتَنا من الخروجِ من دائرة التأزم والتصادم والصراع، وتدشينِ آفاقٍ أرحب من السلم والأمن والاستقرار.
وإفريقيا أحوج ما تكون اليوم إلى الاهتداء بهذه المبادئ وبهذه المراجع وبهذه القيم، وفي مقدّمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وقدسية الحدود الموروثة عند الاستقلال، وحرمة الوحدة الوطنية والسلامة الترابية للدول، والتساوي السيادي بينها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وكذا أولوية الحلول السياسية والدبلوماسية لفض الخلافات والنزاعات والصراعات.
ومن جانبها، فإن الجزائر تحرص كل الحرص على إعلاء هذه المبادئ وهذه المراجع وهذه القيم، والمرافعة من أجل تفعيلها حفاظاً على السلم والأمن في مختلف أرجاء القارة الإفريقية، ولاسيما في جوارها الإقليمي، سواء تعلق الأمر بقضية الصحراء الغربية، أو بالأزمة المُستَفحِلة في دولة ليبيا الشقيقة، أو حتى بالتطورات المقلقة التي تشهدها منطقتا الساحل الصحراوي والقرن الإفريقي.
ففيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية، فإنّ التطورات الأخيرة التي شَهِدَها هذا الملف تؤكد رجاحة ما طالبت وسعت من أجله الجزائر طيلة العقود الخمس الماضية، وهي التي ما فتأت تُنادي بحتمية تنظيم مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع، المملكة المغربية وجبهة البوليساريو.
وبناءً على ذلك، فإن الجزائر ترحب أيما ترحيب بالمسار التفاوضي الذي تم إطلاقُهُ مطلع هذا العام، تحت إشرافٍ مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وهو المسار الذي شاركت فيه الجزائر، مِثلُها مِثلُ موريتانيا الشقيقة، بصفتها بلداً مجاوراً لطرفي النزاع وطرفاً ملاحظاً في المسار السياسي الذي يلتئمُ فيه هاذان الطرفان.
وفي ذات الحين، تتطلع الجزائر بكل صدق وبكل إخلاص لأن تُفضيَ هذه المفاوضات المباشرة بين طرفي النزاع، المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، إلى بلورة حلٍّ عادلٍ ودائمٍ ونهائي لقضية الصحراء الغربية، على النحو الذي يَكفَلُ حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما فيها القرار الأخير لمجلس الأمن رقم 2797، وبما يسهم في توفير شروط ومقومات استعادة السلم والأمن والاستقرار في المنطقة المغاربية برمتها.
وفيما يخص الأزمةَ الليبية، وعلى ضوء مخرجات اجتماع الآلية الثلاثية لدول الجوار المنعقد منذ ثلاثة أيام بالقاهرة، فإن الجزائر تجدد دعمها للجهود التي تبذُلُها منظمة الأمم المتحدة للدفع بمسار التسوية السياسية المطلوبة والمنشودة. وتؤكد الجزائر في ذات الحين على ضرورة أن تُسهم مختلف المبادرات الدولية في المرحلة الراهنة في دعم الجهود الأممية، وأن تَتَناسق وتَتَكامل وتتناغم مَعَها بُغية تمكين دولة ليبيا الشقيقة من مؤسساتٍ مُنتَخَبة تضمن المصالحة الوطنية والحفاظ على وحدتِها، أرضاً وشعباً.
وأما فيما يتعلق بالأوضاع في منطقة الساحل الصحراوي، وفي دولة مالي تحديداً، فإن الجزائر تجدد التأكيد على قناعتها الراسخة بأن أمنَهَا واستقرارَهَا جزءٌ لا يتجزأ من أمن واستقرار جوارها.
ومن هذا المنطلق، فإن الجزائر تدعو جميع الأطراف المعنية لتغليب منطق الحوار ونهج التسوية السياسية الجامعة والشاملة، بما يصونُ وحدَةَ دولةِ مالي، ويَحْفَظُ سلامَتَهَا الترابية، وبما يسمح بتشكيل سدٍّ وطني منيع، سدٍّ وطني حصين، وسدٍّ وطني لا يمكن أن تَخترقَهُ آفةُ الإرهاب الفتاكة.
وفيما يتعلق بمنطقة القرن الإفريقي التي أثقلتها بؤر التوتر والتأزم والصراع، فإن الجزائر تجدد دعمها لوحدةِ الصومال وحرمتِه الترابية، وتُعيدُ التأكيد على رفضها القاطع لأي تدخلات تمس بالسلامة الإقليمية لهذا البلد الشقيق. وتدين الجزائر بشدة ما أقدم عليه الكيان المسمى "إقليم الصومال" من خطوةٍ عبثية تمثلت في افتتاح سفارةٍ مزعومة له في القدس المحتلة.
بذات القدر، وبالنظر للأوضاع المأساوية التي ما فتأت تزداد تفاقماً في السودان، فإن الجزائر تدعو بقوة إلى الاحتكام إلى العقل والتحلي بروح المسؤولية، ليلتف جميع أبناء السودان حول التحدي الوطني الأعظم، ألا وهو تحدي استعادةِ الأمن والسلم في بلدهم، وكذا الحفاظِ على تلاحمِه ووحدتِه. ومن هذا المنظور، فإن وضعَ حدٍّ نهائي للتدخلات الأجنبية في الأزمة السودانية مطلبٌ لا مفر منه ولا غنى عنه.
إن تركيزَنا على هموم قارتنا لا يعفينا البتة من الانشغال بهموم فضاءات انتمائنا أو تضامننا الأخرى. وهذا هو الحال بالنسبة لفلسطين والخليج.
فالقضية الفلسطينية تستدعي منا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التنديد بما ترتكبه السلطة الإسرائيلية القائمة بالاحتلال من جرائمَ في غزة وفي الضفة الغربية، مُوَاصَلةً لتجسيد مشروعها الثابت، والمتمثل في القضاء على أُفُقِ قيام الدولة الفلسطينية، كشرطٍ لإحلال السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط.
أما في منطقة الخليج، فالمطلوب اليوم هو تثبيت وقف إطلاق النار وفسح المجال واسعاً لمواصلة المسارات الدبلوماسية المصيرية بحق لتجنيب المنطقة والعالمِ بأسره تداعياتٍ أكثر جسامةً وأَشَدَّ وَقْعاً.
وفي هذا الإطار، تعرب الجزائر عن ارتياحها إزاء الخطواتِ المشجعة التي يتم إحرازها في هذه الساعات الحاسمة بفضل الوساطة الباكستانية، كما تجدد تضامنها مع الدول العربية التي تأثرت أيما تأثر، مادياً وبشرياً، من توابع وتداعيات هذه الأزمة المأساوية.
وفي خِضَمِ كل التحديات التي تواجه قارتَنا، سواء تلك المتعلقة بالسلم والأمن، أو تلك اللصيقة بالتكامل والاندماج الاقتصادي، أو تلك المرتبطة بالتنمية الشاملة، فإن الجزائر تجدد الترحيب باختيار الاتحاد الإفريقي لمسألة استدامة المياه موضوعًا مركزياً لسنة 2026.
إن مثل هذا الاختيار يعكس بحق إدراكاً متزايدًا بأنّ قضية المياه لم تعد مجرد رهان بيئي أو تنموي فحسب، بل أصبحت قضيةً ترتبط تمام الارتباط بالسلم والأمن والاستقرار في إفريقيا وفي العالم بأسره.
وأعتقد بكل صدق وبكل إخلاص أن الحكمة الإفريقية القديمة تختزل هذه الحقيقة، وهي تؤكد أنه:
«حين يكون الماء سَيِّداً، فليس على الأرض إِلاَّ الطاعة»
“Where water is the boss, the land must obey”
ومجمل القول هنا، أن التحديات التي تعترض سبيل النهضة القارية المنشودة، على تعددِها وتنوعِها وتشعب امتداداتِها، ليست في نهاية المطاف سوى اختباراتٍ إضافية لصلابةِ الإرادة الجماعية الإفريقية، ولثباتِ عزيمةِ كل إفريقي وكل إفريقية.
وحالما تأكدت هذه الإرادة الجماعية، وهذه العزيمة الفردية، فإن كل هذه التحديات ستغدو لا محالة فرصاً مؤكدة: فرصٌ لِدَحْضِ الصورة النمطية عن قارتنا، وفرصٌ لتحويل العثرات إلى قَفَزَاتٍ وإنجازات، وفرصٌ للكشفِ عن الوجه الساطع الحق لإفريقيا: قارةُ المستقبل المُشرق، وقارةُ الآفاق الواعدة، وقارةُ الإمكانيات والطاقات الهائلة.
عاشت إفريقيا بوحدة أبنائها، وعاشت الجزائر وفية لانتمائها الإفريقي. شكراً لكم جميعاً على كرم الإصغاء، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
